المقريزي
849
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
الصّيف يتحدّثون في القمر في صحنه ، وفي الشّتاء ينامون عند المنبر ، وكان يحصل لقيمه الأشوية « a » والحلوى والجرايات . وكان الناس يحبّون هذا الموضع ، ويلزمونه لأجل من يحضر من الرّؤساء ، وكانت الطفيليّة يلزمون المبيت فيه ليالي الجمع ، وكذلك أكثر المساجد التي بالقرافة والجبل والمشاهد ، لأجل ما يحمل إليها ، ويعمل فيها من الحلاوات واللحومات والأطعمة « 1 » . وقال « b » علي بن « b » موسى بن محمد بن سعيد في كتاب « المغرب في أخبار المغرب » : وبتّ ليالي كثيرة بقرافة الفسطاط ، وهي في شرقيها ، بها منازل الأعيان بالفسطاط والقاهرة ، وقبور عليها مبان معتنى بها ، وفيها القبّة العالية العظيمة المزخرفة التي فيها قبر الإمام الشّافعيّ - رضي اللّه عنه - وبها مسجد جامع ، وترب كثيرة عليها أوقاف للقرّاء ، ومدرسة كبيرة للشّافعية . ولا تكاد تخلو من طرب ، ولا سيّما في الليالي المقمرة ، وهي معظم مجتمعات أهل مصر ، وأشهر متنزّهاتهم ، وفيها أقول : [ الكامل ] إنّ القرافة قد حوت ضدّين من * دنيا وأخرى فهي نعم المنزل يغشى الخليع بها السّماع مواصلا * ويطوف حول قبورها المتبتّل كم ليلة بتنا بها ونديمنا * لحن يكاد يذوب منه الجندل والبدر قد ملأ البسيطة نوره * فكأنّما قد فاض منه جدول وبدا يضاحك أوجها حاكينه * لمّا تكامل وجهه المتهلّل « 2 » وفوق القرافة من شرقيها جبل المقطّم ، وليس له علوّ ولا عليه اخضرار ، وإنّما يقصد للبركة ، وهو نبيه الذّكر في الكتب ، وفي سفحه مقابر أهل الفسطاط والقاهرة « 3 » . والإجماع على أنّه ليس في الدّنيا مقبرة أعجب منها ، ولا أبهى ولا أعظم ولا أنظف من أبنيتها وقبابها وحجرها ، ولا أعجب تربة منها كأنّها الكافور والزّعفران ، مقدّسة في جميع الكتب ، وحين تشرف عليها تراها مدينة بيضاء ، والمقطّم عال عليها كأنّه حائط من ورائها .
--> ( a ) بولاق : الأشربة . ( b - b ) إضافة اقتضاها السياق . ( 1 ) فيما تقدم 291 . ( 2 ) ابن سعيد : المغرب في حلى المغرب 1 : 10 - 11 . ( 3 ) فيما تقدم 1 : 335 - 338 .